الجصاص

266

أحكام القرآن

الكتاب والسنة إن وجدنا المتنازع فيه منصوصا على حكمه في الكتاب والسنة ، وإن لم نجد فيه نصا منهما وجب رده إلى نظيره منهما ، لأنا مأمورون بالرد في كل حال إذ لم يخصص الله تعالى الأمر بالرد إليهما في حال دون حال . وعلى أن الذي يقتضيه فحوى الكلام وظاهره الرد إليهما فيما لا نص فيه ، وذلك لأن المنصوص عليه الذي لا احتمال فيه لغيره لا يقع التنازع فيه من الصحابة مع علمهم باللغة ومعرفتهم بما فيه احتمال مما لا احتمال فيه ، فظاهر ذلك يقتضي رد المتنازع فيه إلى نظائره من الكتاب والسنة . فإن قيل : إنما المراد بذلك ترك التنازع والتسليم لما في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قيل : إن ذلك خطاب للمؤمنين لأنه قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) ، فإن كان تأويله ما ذكرت فإن معناه : اتبعوا كتاب الله وسنة نبيه وأطيعوا الله ورسوله ، وقد علمنا أن كل من آمن ففي اعتقاده للإيمان اعتقاد لالتزام حكم الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيؤدي ذلك إلى إبطال فائدة قوله تعالى : ( فردوه إلى الله والرسول ) . وعلى أن ذلك قد تقدم الأمر به في أول الآية ، وهو قوله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) ، فغير جائز حمل معنى قوله تعالى : ( فردوه إلى الله والرسول ) على ما قد أفاده بديا في أول الخطاب ، ووجب حمله على فائدة محددة وهو رد غير المنصوص عليه وهو الذي وقع فيه التنازع إلى المنصوص عليه ، وعلى أنا نرد جميع المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة بحق العموم ولا نخرج منه شيئا بغير دليل . مطلب : يجوز الاجتهاد في حالين مع وجوده صلى الله عليه وسلم فإن قيل : لما كانت الصحابة مخاطبين بحكم هذه الآية عند التنازع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان معلوما أنه لم يكن يجوز لهم استعمال الرأي والقياس في أحكام الحوادث بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل كان عليهم التسليم له واتباع أمره دون تكلف الرد من طريق القياس ، ثبت أن المراد استعمال المنصوص وترك تكلف النظر والاجتهاد فيما لا نص فيه . قيل له : هذا غلط ، وذلك لأن استعمال الرأي والاجتهاد ورد الحوادث إلى نظائرها من المنصوص قد كان جائزا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في حالين ولم يكن يجوز في حال ، فأما الحالان اللتان كان يجوز فيهما الاجتهاد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فإحداهما في حال غيبتهم عن حضرته ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا حين بعثه إلى اليمن فقال له : " كيف تقضي إن عرض لك قضاء ؟ " قال : أقضي بكتاب الله ، قال : " فإن لم يكن في كتاب الله ؟ " قال : أقضي بسنة نبي الله ، قال : " فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ؟ " قال : أجتهد رأيي لا آلو ، قال : فضرب بيده على صدره وقال : " الحمد لله الذي وفق رسول